• 2020-12-06

وما بكم من نعمة فمن الله

نعم الله تعالى علينا كثيرة ووفيرة، ونحن في هذه الدنيا نتقلب في نعم الله سواء أدركنا ذلك أم لم ندرك.
ولهذا سأحاول في هذه السطور القليلة مستعينًا بالله أن أستعرض معك أخي القارئ بعض القواعد العامة والخطوط العريضة في التعامل مع هذه النعم طلبًا لبقائها ورجاءً لزيادتها.
أولًا: أن نعلم أن نعم الله عز وجل كثيرة على الإنسان، لدرجة أنه يعجز عن حصرها "وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ". قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره هذه الآية: "ثم نبههم على كثرة نعمه عليهم وإحسانه إليهم فقال: "وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ" أي يتجاوز عنكم، ولو طالبكم بشكر نعمه لعجزتم عن القيام بذلك، ولو أمركم به لضعفتم وتركتم، ولو عذبكم لعذبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنه غفور رحيم يغفر الكثير ويجازي على اليسير.
شكا أحدهم ضيق حاله ومعاشه.. فقال له عالم حكيم: أتبيع بصرك بمائة ألف؟ قال: لا.. قال: أتبيع سمعك بمائة ألف؟ قال: لا.. قال:فأنت الغني بما لا يباع بثمن.
ثانيًا: إن النعم ابتلاء وامتحان كلها، حتى ما كان ظاهره الإحسان والإكرام "فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ"، ولو كانت النعمة مجرد إكرام لكان الرسل والأنبياء أغنى الناس وأكثرهم كنوزًا وأملاكًا وأموالًا، ولما سقى الله كافرًا شربة ماء.
ثالثًا: معيار النجاح في التعامل مع النعم إنما يحصل بشكر الله تعالى عليها.. قال ابن القيم رحمه الله: "وشكر العبد يدور على ثلاثة محاور، لا يكون شكورًا إلا بمجموعها.. أحدها اعترافه بنعمة الله عليه، والثاني الثناء بها عليه، والثالث الاستعانة بها على مرضاته". وقال الله تعالى: "اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ".
رابعًا: إننا نتقلب في نعم الله الظاهرة والباطنة.. قال عز من قائل: "أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً" فمنها ما نلمسه ونراه ونشعر به، ومنها ما لا ندرك حقيقته، ولكنه يظل على أية حال نعمة، ولهذا يستوي عند العبد ما يعجبه وما لا يعجبه إذا علم أن الكون لا يجري إلا بتقدير الله وحكمته.
خامسًا: إن أعظم نعمة امتنَّ الله بها على عباده هي نعمة الإيمان والتوحيد التي هدانا إليها سبحانه "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ".

ثم إن من أعظم نعم الله علينا أن جعلنا من خير أمة.. أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذي اصطفاه الله وأرسله للناس كافة وأنزل عليه القرآن الكريم وآتاه الحكمة والسنة المطهرة "وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ" فهاتان نعمتان لا تعدلهما نعم الدنيا كلها "وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ".
من هذه القواعد ينطلق المسلم مستشعرًا عظيم فضل الله عليه، ووافر نعمه التي يتقلب فيها ليله ونهاره، مؤمنًا بأن الشكر باب المزيد "وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ".
اللهم أوزعنا شكر نعمك علينا ولا تجعلنا من الكافرين الجاحدين.. وأسبغ علينا دومًا نعمك ظاهرة وباطنة وأحسن عواقبنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

والله من وراء القصد

آخر أخبار الشيخ عبدالناصر عبدالله

  • محور مقاصد الشريعة

    2020-10-26

    الإنسان.. آية الله الباهرة، الذي أودع فيه من المعجزات والدلائل والآيات ما يحار فيها الفكر، ويعجز عن إدراك مكنونها العقل. هذا الكائن العجيب، الضعيف في مظهره، هو كريم على الله تعالى، خلقه بيده، وأسجد له ملائكته، وسخر له الكون بما فيه. كما أن الله تبا...

  • هي أوهن من بيت العنكبوت

    2020-09-21

    ما زالت تتردد بين الحين والحين دعاوى تشكك في مصداقية العمل الخيري أحيانًا، وتقلل من قدره وأهميته أحيانًا أخرى، من مصادر بعضها عن جهل والبعض الآخر ربما عن قصد. فعلى سبيل المثال حاول البعض قبل فترة ترويج مقاطع صوتية مجتزئة يتحدث فيها بعض أصحاب الفضيلة...