الطريقة المثلى للتعامل مع نفسية طفلك  (1)
  • 2020-09-17

طبيبك لايف (2)

الطريقة المثلى للتعامل مع نفسية طفلك (1)

مع الأستاذ محمد حجي (اخصائي نفسي)

د.محمد شاطر

الكاتب / د.محمد شاطر

في ظل اهتمام جمعية الإصلاح بتهيئة النشء ورعايته خدمةً للدين والوطن، قامت اللجنة الإعلامية بالجمعية وضمن سلسلة "طبيبك لايف" التي تُبث عبر خدمة البث المباشر من حساب جمعية الإصلاح بالانستغرام استضافة اللجنة الأخصائي النفسي الأستاذ محمد حجي في حوار عنوان "الطريقة الأمثل للتعامل مع نفسية طفلك"، ونستعرض من خلال هذا المقال أبرز ما ورد بهذا اللقاء.
أطفالنا يعبرون عن مشاعرهم بطرق مختلفة
بعكس ما نتوقعه بأن الطفل غير قادر على التعبير عن نفسه، فإن الطفل يمكنه التعبير عن نفسه وعن مشاعره ولكن التعبير يختلف عن البالغ من حيث الشكل والاعتبارات والمضمون.
الدراسات الحديثة أثبتت أن الطفل يُصاب بالاكتئاب على العكس من الدراسات القديمة والتي كانت تؤكد أنه لا يُصاب به الأطفال، والمحك الرئيسي الذي أثر في اختلاف الدراسات بأنه في السابق كانوا لا يستطيعون الحكم على الطفل بأنه يعاني من الاكتئاب من عدمه؛ لأن الاكتئاب في الأساس هو اضطراب في المزاج وهو ما يمكن أن يعبر عنه الرجل أو المرأة البالغين على الأقل بالكلام، والحقيقة أن الأطفال يصابون بالاكتئاب ولهم طرائق أخرى يعبرون بها ومنها حالة دائمًا أذكرها عند الحديث في هذا الموضوع، لطفل يبلغ من العمر تسع سنوات، فعندما أسأله هل أنت زعلان؟، فيرد بقوله: "أنا أحس نفسي زعلان مع إني أقدر أفرح وأضحك والعب". وبالحديث مع الطفل اكتشفت أن هذا الإحساس جاءه بعد وفاة جدته وكان مرتبط بها ارتباط وثيق وقد لاحظت الأم بعد وفاة الجدة وبمتابعتها له أنه سريع الغضب ويقوم بتكسير محتويات المنزل وهذه هي طريقة الطفل التي يعبر عنها عن حالة الاكتئاب، أما إذا كانت نفس هذه الحالة عند البالغين يُوصف على أنه مجرد شعور بالغضب أو انفعالات وليس اكتئاب.
أهمية أن تتعرف على نفسية طفلك
الطفل مشاعره وسلوكياته تختلف عن البالغ كما أسلفنا، وعلى الآباء والأمهات والمعلمين والمربين أن يفهموا نفسية الأبناء من هذا المنطلق، لأنك إذا حاولت أن تعامل الطفل بنفس معاملة البالغ فلن تتمكن من التواصل معه وفهمه.
الطفل إنسان ومشاعر وانفعالات وسلوكيات تختلف وعدم الوصول إلى مفاتيح نفسية الطفل حينها لن تتمكن من إحداث تغيير إيجابي في سلوكه وأفكاره وانفعالاته، لذلك فإن فهم سلوكه يقع على عاتقنا كآباء وأمهات ومتخصصين، واليوم نتحدث في نقاط سريعة عن كيفية فهم نفسية الطفل وأهمية ذلك، ولفهم نفسية الطفل لا بد أن ندرك علاقة هذه النفسية والتغييرات التي تطرأ عليها، له علاقة مباشرة بمراحل نمو الطفل منذ نشأته وهو جنين ثم الولادة وهكذا حتى الوصول إلى الرجولة والكهولة.
أثر مراحل النمو على السمات الشخصية للطفل
يهتم أحد فروع علم النفس وتخصصاته وهو علم نفس النمو أو علم النفس التطوري"Developmental Psychology" بدراسة نفسية الطفل منذ نشأته جنين في بطن أمه حيث يتطور خلال تسعة شهور يكون خلالها مرتبطًا بأمه ارتباطًا وثيقًا يتأثر بشكل مباشر بمشاعرها من حب وألم وحنين وغيرها، مع وصول تلك المشاعر للطفل وهو جنين تنشأ معها نفسية الطفل حتى قبل الولادة وليس بعدها، ومن هنا تبدأ مراحل النمو الجسدي ومعه التغييرات النفسية التي تطرأ عليه مع انتقاله من مرحلة إلى أخرى.
فالطفل الذكر بعد الولادة يظل مرتبطًا بأمه لمدة ثلاث سنوات خلال الرضاعة وحتى الفطام يبدأ بعدها بكسر القوقعة التي عاش فيها لمدة ثلاث سنوات وتسعة شهور، وليبدأ بعدها مرحلة جديدة من خلال الارتباط بالأب تسمى "المحاكاة" ولها الدور الكبير في تشكيل شخصية الولد، حيث يقوم الأب بتقديم نموذج يقوم الطالب بمحاكاته من صحبته له في المساجد و المجالس والملاعب، وتستمر هذه المرحلة حتى سن العشر السنوات يبدأ بعدها في محاولة تطبيق ما تعلمه من والده، والتهيؤ لدخول مرحلة المراهقة حتى سن الخامسة عشرة، المرحلة التي يظن فيها أنه أصبح مكتمل الرجولة ويحاول أن يطبق ما حاكاه في المراحل السابقة، إلا أنه يصطدم بمحاولات الأم بالسيطرة عليه وتوجيهات الأب الدائمة وملاحقته بالنصائح ونهره على تصرفاته وسلوكه بالإضافة إلى غيرها من القيود التي تفرضها المدرسة والمجتمع. وهنا يجب علينا أن نساعد أبناءنا على تخطي هذه السنوات بشكل آمن وسليم حتى يصل إلى سن 18 سنة وقد امتلك درعه الذي يتمكن معه أن تتكون معه شخصية الرجولة المتكاملة والمتوازنة ويواجه المجتمع بصحة نفسية سليمة.
أما بالنسبة للأنثى فإن نفسيتها تتكون خلال تسعة شهور وهي جنين، ثم تُولد وتظل خلال ثلاث سنوات مرتبطة بالأم ولا تحتاج لكسر هذه القوقعة كالذكر لأنها أنثى ولا بد أن يزيد ارتباطها بأمها وتسمى هذه المرحلة بمرحلة "الالتحام"، ولا بد أن تقدم الأم خلال هذه المرحلة نموذجًا إيجابيًا صالحًا للمحاكاة ويكون التحام إيجابي والعكس صحيح، وهذا الارتباط يزيد أو ينعدم بناء على البيئة المحيطة بها إيجابية كانت أو سلبية، ومن ثم تدخل الطفلة بنفس المراحل التي يمر بها الطفل الذكر حتى تصل لمرحلة المراهقة ومن ثم إلى امرأة كاملة بنفسية سليمة تواجه المجتمع.
كل ما تطرقنا إليه من مراحل تسمى محاكاة النمو عند الأطفال، ويتحتم على كل أب وأم أن يدركوا تلك المحكات ويجب أن نتعامل معها بأقصى حساسية ممكنة خلال تلك المحكات لأنها محطات مفصلية ينتقل خلالها من مرحلة للأخرى، وهناك سمات عامة وأنماط سلوكية وشخصية عامة تتصف بها كل مرحلة لا بد من إداركها والتعامل معها بشكل سليم.
سلوك الأبناء حصيلة ما يزرعه الآباء والأمهات
الأبناء هم حصيلة الجينات والسلوكيات والسمات التي يزرعها بهم الآباء والأمهات، وأيضًا مجموع العوامل الجسدية والشكلية منهما، وكما قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: "أطفالنا أوراق بيضاء تكتب فيها ما تشاء"، ومن هنا تكمن أهمية مرحلة الالتحام عند الأنثى والمحاكاة عند الذكر، فأنت في هذه المرحلة تضع البذور لتجني ثمارها، وليس معنى أنك قدمت كل ما عليك من جهد سوف تضمن النتيجة الإيجابية كما تود وترغب، لأن الصلاح في النهاية بقدر الله ولا ننسى قول الله تعالى: "ليْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ". فالابن في هذه المرحلة يأخذ فقط ولا يعطي ويحدث لديه تجميع لعدد من المشاعر والانفعالات والتفاعلات من حيث لا يشعر الأبوين، ومن ثم يترجمها إلى سلسلة من السلوكيات سواء كانت إيجابية أو سلبية.
ونحن في العيادة النفسية تأتينا استشارات وخاصة من الأمهات تشتكي من ابنها وتقول أنه متعب وكما يقال بالعامية "شيطان ومطلع لي قرون"، والجميع حين يسمع هذه الشكوى للوهلة الأولى أن هذا الولد لا فائدة منه، ولكن نحن كمختصين لا نطلب حضور الابن بل نريد الجلوس مع الأبوين أولا لأنه غالبًا وبنسبة 95% المشكلة التي تظهر عند الأبناء سببها يكون الآباء والأمهات، ويكون سؤالنا الأول للأم ماذا قدمتي لابنك حتى لا يكون على هذه الحالة؟، كما نسأل عن علاقة الأب والأم وهنا تجد التهرب من الإجابة عن هذا السؤال هو في حد ذاته إجابة وأن العلاقة غير سوية وأنهما سبب المشكلة وهنا قد لا تحتاج لرؤية الابن ويكفيك أن تقدم حلول لمشكلات الأب والأم، ومن هنا يبرز دور الأباء والأمهات في حياة الأبناء ولا بد من معرفة أهمية الحضور والوجود والفرق بينهما.
الحديث عن أطفالنا ذو شجون وأطرافه كثير وبالغ الأهمية، ولهذا سنكمل ما بدأناه في هذه الحلقة في العدد القادم من الحلقة الثانية من الطريقة الأمثل للتعامل مع نفسية طفلك.

آخر المقالات

  • مهارات إدارية في الهجرة النبوية (1)

    2020-09-22

    يتناول أئمة المساجد وعلماء السيرة قصة الهجرة النبوية بداية من الخروج من مكة إلى أن يصل النبي صلي الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، وتنتهي القصة بنشيد طلع البدر علينا، وهكذا كل عام يتكرر العرض وفي المقابل تتكرر الذكرى لعموم المسلمين لهذا الحدث العظي...

  • هي أوهن من بيت العنكبوت

    2020-09-21

    ما زالت تتردد بين الحين والحين دعاوى تشكك في مصداقية العمل الخيري أحيانًا، وتقلل من قدره وأهميته أحيانًا أخرى، من مصادر بعضها عن جهل والبعض الآخر ربما عن قصد. فعلى سبيل المثال حاول البعض قبل فترة ترويج مقاطع صوتية مجتزئة يتحدث فيها بعض أصحاب الفضيلة...

  • كيف تصنع الشعاب المرجانية الضوء (1)

    2020-09-20

    تُنتج معظم الحيوانات المتوهجة الضوء من خلال الجمع بين نوعين مختلفين من البروتينات، اللوسيفيرين والوسيفيراز. تحتوي العديد من مرجانيات أعماق البحار التي تم فحصها في هذه الدراسة على نوع من اللوسيفيرين يسمىcoelenterazine ، وتحتوي جميعها على شكل من lucife...

  • الهجرة النبوية دروس وعبر (1) حسن التخطيط

    2020-09-19

    مما لاشك فيه ويعلمه الجميع هي القدرة الإلهية على تدبير الأمور كيف ومتى شاء وعلى أي نحو شاء "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ". فإن الله سبحانه وتعالى إذا قال للشيء كن فيكون، فلماذا لم تقم دولة الإسلام على عهد ...

  • ثاني اثنين

    2020-09-18

    "ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنا". هذه المهمة العظيمة، شرارة البداية، مهد الانطلاقة.. ما كان الله ليكتب لها أن تثبت لولا الصداقة الحقيقية والإيمان المطلق والتوكل الصادق.. في ذكرى اله...